ابن عربي
50
شجون المسجون وفنون المفتون
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . فكّلّ من عند الله بقضاء وقدر وعدل من الله . ومن يكفر بالله يضلّ قلبه بفتنته ، ومن يؤمن بالله يهد قلبه بمصيبته ، والمغيّرون يغيّر الله ما بهم من فتنتهم إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ، وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً « 1 » عقابا لهم على ما قدّموه من سوء الأعمال فَلا مَرَدَّ لَهُ ، وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ « 1 » . فسائر أفعاله تعالى مع عباده ؛ إما فضل ، وإمّا جزاء بما كانوا يعملون ، ذلك أن لم يكن ربّك مهلك القرى بظلم ، وأهلها مصلحون « 2 » ، فسبحان من خلق الفتن المختلفات من الشّرور والخيرات ، وامتحن بها عباده في سائر الأوقات ، ومكّنهم من اجتناب السّيّئات ، واكتساب الحسنات ، ليفوزوا إن اختاروا وعملوا بالباقيات الصّالحات « 3 » ، وهداهم بالعقول باطنا إلى أفضل السّبل ، وأرسل إليهم ظاهرا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ « 4 » . فلينظر الآن هذا الإنسان المأخوذ بالافتتان في كلّ آن ، الممكن من الاكتساب في كلّ مكان ، ولينه نفسه عن الهوى ففيه الهوان ، وليدع الله تعالى في سائر الأحيان ، راغبا في الجنّة والرّضوان ، راهبا من الغضب والنّيران ، والحمد لله المنّان ، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وآله وصحبه في كلّ زمان ، من كلّ إنسان ، بكلّ لسان . أمّا بعد ، فإنّي لمّا رأيت العالم بأسرهم مفتونين ، وبكسبهم مثابين ومعاقبين ، ورأيت من تمام النّعمة عليهم ، أن فتنوا بكلّ ما لديهم ، وفوّض أمرهم في الاكتساب
--> ( 1 ) سورة الرعد : 11 . ( 2 ) اقتباس من قوله تعالى في سورة هود 17 : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ . ( 3 ) اقتباس من قوله تعالى في سورة الكهف 46 : وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا . ( 4 ) سورة النساء : 165 .